محمد بن جرير الطبري

386

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

يكون يعني قومه وعشيرته بذلك أو أهل بلده ووطنه كان المقول له ذلك ما فعل بهم من ذلك أو لم يدركه ، كما قال الأخطل يهاجي جرير بن عطية : ولقد سما لكم الهذيل فنالكم * بإراب حيث يقسم الأنفالا ( 1 ) في فيلق يدعو الأراقم لم تكن * فرسانه عزلا ولا أكفالا ( 2 ) ولم يلق جرير هذيلا ولا أدركه ، ولا أدرك إراب ولا شهده . ولكنه لما كان يوما من أيام قوم الأخطل على قوم جرير ، أضاف الخطاب إليه وإلى قومه ، فكذلك خطاب الله عز وجل من خاطبه بقوله : ( وإذ نجيناكم من آل فرعون ) لما كان فعله من ذلك بقوم من خاطبه بالآية وآبائهم ، أضاف فعله ذلك الذي فعله بآبائهم إلى المخاطبين بالآية وقومهم . القول في تأويل قوله تعالى : ( يسومونكم سوء العذاب ) . وفي قوله : ( يسومونكم ) وجهان من التأويل ، أحدهما : أن يكون خبرا مستأنفا عن فعل فرعون ببني إسرائيل ، فيكون معناه حينئذ : واذكروا نعمتي عليكم إذ نجيتكم من آل فرعون ، وكانوا منق بل يسومونكم سوء العذاب . وإذا كان ذلك تأويله كان موضع " يسومونكم " رفعا . والوجه الثاني : أن يكون " يسومونكم " حالا ، فيكون تأويله حينئذ : وإذ نجيناكم من آل فرعون سائميكم سوء العذاب ، فيكون حالا من آل فرعون . وأما تأويل قوله : ( يسومونكم ) فإنه يوردونكم ، ويذيقونكم ، ويولونكم ، يقال منه : سامه خطة ضيم : إذا أولاه ذلك وأذاقه . كما قال الشاعر : إن سيم خسفا وجه تربدا ( 3 ) فأما تأويل قوله : ( سوء العذاب ) فإنه يعني : ما ساءهم من العذاب . وقد قال

--> ( 1 ) البيتان في ديوان الأخطل ( ص 248 ) من قصيدة يهجو بها جريرا ، أولها : كذبتك عينك أم رأيت بواسط غلس الظلام من الرباب خيالا وهما كذلك في نقائض جرير والأخطل لأبي تمام ( ص 77 ، 78 - طبعة المطبعة الكاثوليكية ) . وقوله : " الهذيل " : الهذيل من بني حرقة جيران مطر ، وهو الهذيل بن هبيرة التغلبي . وإراب : ماء لبني رياح . والأنفال : الغنائم ، الواحد نفل . ( 2 ) الأعزل : الذي لا سلاح معه . والأكفال : جمع كفل ، وهو الذي لا يثبت على دابته ولا يحسن الركوب . والأراقم : جشم ومالك وعمرو وثعلبة ومعوية والحارث بنو بكر بن حبيب ، مر كاهن بأمهم وهم في قطيفة لها فقالت : انظر إلى ولدي هؤلاء ، فقال : والله لكأنما رموني بعيون الأراقم . ( 3 ) سام فلانا الخسف ، وسامه خسفا : أولاه ذلا ، وتربد وجهه : تلون من الغضب وتغير .